الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
541
مناهل العرفان في علوم القرآن
( 4 ) ويقول في تفسير قوله تعالى « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » ما نصه : ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط اللّه والعذاب السرمدي ونيل رضوان اللّه والنعيم المخلد ا ه . وأنت ترى أن في ذلك تعريضا بإنكار رؤية اللّه ؛ إذ يصرح بأن النجاة والرضوان والنعيم لا غاية للفوز وراءها ، مع أنه لم يذكر الرؤية . وقد صرح بإنكارها في سورة الأنعام إذ قال في تفسير قوله تعالى : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » ما نصه : - البصر هو الجوهر اللطيف الذي ركّبه اللّه في حاسة النظر ؛ به تدرك المبصرات . فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه ، لأنه متعال عن أن يكون مبصرا في ذاته ، إذ الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصالة أو تبعا ، وذلك كالأجسام والهيئات ا ه . ويردّ عليه أهل السنة ( أولا ) بأن الإدراك المنفى عبارة عن الإحاطة . ومنه قوله تعالى « حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ » أي أحاط به . وقوله سبحانه حكاية عن قوم موسى : « إِنَّا لَمُدْرَكُونَ » أي محاط بنا . فالمنفى إذن عن الأبصار إحاطتها به عزّ وجلّ ، لا مجرد الرؤية . ومن المعلوم أنه تعالى لا تحيط به الأفهام ؛ وهذا لا يمنع أن تعرفه . فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للبصر . وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للبصر ، ثابت غير منفى . ( ثانيا ) أن الزمخشري لم يذكر على إحاطة الرؤية عقلا دليلا ولا شبه دليل ، سوى أنه استبعد أن يكون المرئى لا في جهة . وهذا نعارضه بالمثل فنقول : يلزمكم استبعاد أن يكون الموجود لا في جهة ، إذ الاتباع للوهم يبعدهما جميعا ، والانقياد للعقل يبطل هذا الوهم ويجيزهما معا . وحسبنا هذا فحبل النقاش بين أهل السنة والمعتزلة طويل . وميدان الأخذ والرد بينهما علم الكلام ، فارجع إليه إن شئت المزيد . عصمني اللّه وإياك من الزلل ، ووفّقنا للقصد في الاعتقاد والعمل ، آمين .